أبو حامد الغزالي

11

تهافت الفلاسفة

الحقائق الإلهية ، ولهذا ، يحاول الغزالي فيه أن ينتزع ثقة الناس من العقل كمصدر تتعرف منه المسائل الإلهية ، ولكن الغزالي إذ يحاول ، تقييد سلطة العقل ، ويتخذ من العقل نفسه مطية للوصول إلى هذه الغاية . فإن عمله هذا يكون محاولة عقلية لإثبات قصور العقل في ميدان الإلهيات ، وشهادة عقلية بأن للعقل حدا يجب الوقوف عنده . فمن نظر إلى الغاية من كتاب التهافت - تلك التي يصورها الغزالي نفسه ، بأنها انتزاع الثقة من الفلسفة - ورآه ، لهذا ، بعيدا من نطاق الفلسفة ، فهو مضطر إلى اعتبار وسيلته - تلك التي تقوم على استعراض مناهج الفلاسفة وأدلتهم ، واستخدام العقل وحده للكشف عن قصورها وعجزها ، وضعفها وركتها - عملا داخلا في صميم الفلسفة . إنه عمل يمكن تصويره بأنه بحث في طاقة العقل وهل يمكن أن يكون عمل كهذا بعيدا عن مجال الفلسفة ؟ ولقد قال أرسطو قديما : « إن من ينكر الميتافيزيقا ؛ يتفلسف ميتافيزيقيا » وقال : « فلنتفلسف إذا اقتضى الأمر أن نتفلسف ، فإذا لم يقتض الأمر التفلسف وجب أن نتفلسف لنثبت أن التفلسف لا ضرورة له » . ولقد قال حديثا بعض الفلاسفة الميتافيزيقيين عن خصومهم من الفلاسفة الوضعيين : « إنهم الفلاسفة الذين يفاخرون بأنهم ليسوا بفلاسفة ، إن موقفهم من إنكار الفلسفة موقف فلسفي لا محالة » . وعلى هذا القياس يكون الغزالي قد تفلسف وهو يهدم الفلسفة ، فالتهافت - إذن - إن لم يكن فلسفي الغاية فهو فلسفي الموضوع . 2 - أما عن احتياط الغزالي وأمانته في تصوير أفكار خصومه التي يعرضها توطئة للرد عليها ، فأقول بصدده : أنى ما زلت أذكر حتى الآن سؤالا تقدم به زميل لي